2bl4

خاص بتلاميذ السنة الثانية باكالوريا
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 اللص و الكلاب لنجيب محفوظ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مريم نجيد
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 5
تاريخ التسجيل : 18/03/2010

مُساهمةموضوع: اللص و الكلاب لنجيب محفوظ   السبت مارس 20, 2010 1:20 pm

تمهيــــــد:


يعتبر نجيب محفوظ من أهم الروائيين العرب الذين أرسوا دعائم الرواية العربية تجنيسا وتجريبا وتأصيلا إلى جانب محمد حسين هيكل وسهيل إدريس ويحيى حقي ويوسف إدريس وعبد الحليم عبد الله وعبد الرحمن الشرقاوي والطيب صالح وجمال الغيطاني وحيدر حيدر وحنامينه وإدوار الخراط وعبد الرحمن منيف وصنع الله إبراهيم وطاهر وطار ومحمود المسعدي وواسيني الأعرج وجبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي وغسان كنفاني وبنسالم حميش ومحمد برادة ومحمد شكري…


وقد تميز نجيب محفوظ عن هؤلاء الروائيين بتعدد أشكاله السردية وتعدد المواضيع والقضايا التي تناولها في إطار رؤى فلسفية مختلفة في تصوير مصر و تشخيص فضاء القاهرة عبر امتداد تاريخ السلالات المالكة للسلطة والحكومات المتعاقبة. وبذلك، يكون نجيب محفوظ الناطق المعبر عن تاريخ مصر، كما كان عبد الكريم غلاب ناطق التاريخ المغربي، ونبيل سليمان ناطق التاريخ السوري، وطاهر وطار ناطق التاريخ الجزائري، وغسان كنفاني ناطق التاريخ الفلسطيني…


ومن أهم الروايات التي دبجها نجيب محفوظ رواية” اللص والكلاب” التي اتخذت طابعا رمزيا وذهنيا على مستوى المقصدية المرجعية والرسالة الفنية.


إذاً، ماهي العناصر المناصية والنصية التي تتكئ عليها هذه الرواية؟ وماهي بنياتها القصصية والسردية التي تزخر بها؟ وماهي الأبعاد المرجعية التي تتضمنها الرواية؟ وماهي طبيعة القراءات التي ظفرت بها الرواية على مستوى التقبل والتلقي؟



عتبات النص الموازي:


عتبة المؤلف:

ولد نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم أحمد باشا في حي الجمالية بالقاهرة عام 1911م، ونشأ في أسرة متوسطة الحال. فتلقى تعليمه الابتدائي بالمدرسة الحسنية، ثم الثانوي بمدرسة فؤاد الأول إلى حين حصوله على شهادة البكالوريا، وتخرج بعد ذلك من كلية الآداب قسم الفلسفة من جامعة القاهرة.


وقد شرع في الكتابة والإبداع منذ المرحلة الثانوية، ونشر عام 1934م أول نص قصصي له حمل عنوان” ثمن الضعف“، وانخرط بعد ذلك في سلك الوظيفة العمومية بإدارة جامعة فؤاد الأول، فوزارة الثقافة ليعين عضوا بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، ثم مستشارا لوزير الثقافة الدكتور ثروت عكاشة…


وأحيل نجيب محفوظ على المعاش عام 1971م، ومن يومها وهو يواصل الإبداع والكتابة الروائية والقصصية والمسرحية إلى أن حاز على جائزة نوبل في الآداب عام 1988 م.


ولقد اعتدى عليه بعض المتطرفين من أجل إسكاته نهائيا، في حين صودرت روايته” أولاد حارتنا” من الساحة الثقافية المصرية بصفة خاصة والساحة الثقافية العربية بصفة عامة.


هذا، ولقد عايش نجيب محفوظ جميع ماشاهدته مصر في تاريخها الحديث من هزات مست مختلف مكوناتها ابتداء بالثورة العرابية سنة1882م، وثورة سعد زغلول سنة 1919م، وما عاشته من أزمات اقتصادية خاصة أزمة مابين 1930و1934م ، وما رافق الحرب العالمية الأولى والثانية من استبدادات إقطاعية واستعمارية وأزمات سياسية وفكرية واجتماعية، عمل نجيب محفوظ على تجسيد أثرها على المجتمع العربي، فكانت قصصه رحلة عبر الأزمات المادية والروحية.


وتأثر نجيب محفوظ إلى جانب انجذابه إلى المحيط الذاتي والاجتماعي والعصري بمؤثرات التراث العربي والغربي حيث تأثر قديما بالتأمل الفلسفي عند أبي العلاء وبالروح الشعرية التأثرية عند ابن الرومي. فبدأ تجاربه الأولى بنظم القصائد حتى عد نفسه رائد المدرسة الحديثة في الشعر، وحديثا تأثر بالحس الاجتماعي الرهيف عند المنفلوطي، والعلم والاشتراكية عند سلامة موسى، كما تأثر في الجامعة بالدراسات الفلسفية التي وجهت تفكيره إلى القضايا الفكرية،كما تأثر بمختلف الاتجاهات الروائية الغربية كالاتجاه التاريخي والواقعي والنفسي والعبثي والطبيعي. فبرز أثرها في تنوع الأشكال الروائية عنده بين التاريخية والاجتماعية والفلسفية.



عتبـــة التأليف:

نشر نجيب محفوظ أول نص قصصي له سنة 1934م بعنوان” ثمن الضعف“، وكتب سبعا وثلاثين رواية وهي على النحو التالي:

مصر القديمة، الطبعة الأولى، سنة1932 م؛

عبث الأقدار، الطبعة الأولى، سنة 1939م؛

رادوبيس، الطبعة الأولى ، سنة1943م؛

كفاح طيبة، الطبعة الأولى، سنة 1944م؛

القاهرة الجديدة، الطبعة الأولى، سنة1945م؛

خان الخليلي، الطبعة الأولى، سنة 1946م؛

زقاق المدق، الطبعة الأولى، سنة1947 م؛

السراب، الطبعة الأولى، سنة 1948م؛

بداية ونهاية، الطبعة الأولى، سنة 1949م؛

بين القصرين، الطبعة الأولى، سنة 1956م،

قصر الشوق، الطبعة الأولى، سنة 1957م،

السكرية ، الطبعة الأولى، سنة 1957م؛

اللص والكلاب، الطبعة الأولى، سنة 1961م؛

السمان والخريف، الطبعة الأولى، سنة 1962م؛

الطريق، الطبعة الأولى، سنة 1964م؛

الشحاذ، الطبعة الأولى، سنة 1965م؛

ثرثرة فوق النيل، الطبعة الأولى، سنة 1966م؛

ميرامار، الطبعة الأولى، سنة 1967م؛

المرايا، الطبعة الأولى، سنة 1972م؛

الحب تحت المطر، الطبعة الأولى، سنة 1973م؛

الكرنك، الطبعة الأولى، سنة 1974م؛

حكايات حارتنا، الطبعة الأولى ،سنة 1975م؛

قلب الليل، الطبعة الأولى ، سنة 1975م؛

حضرة المحترم، الطبعة الأولى، سنة 1975م؛

ملحمة الحرافيش، الطبعة الأولى، سنة 1977م؛

عصر الحب، الطبعة الأولى، سنة 1980م؛

أفراح القبة، الطبعة الأولى، سنة 1981م؛

ليالي ألف ليلة، الطبعة الأولى، سنة 1982؛

الباقي من الزمن ساعة، الطبعة الأولى، سنة 1982م؛

رحلة ابن فطومة، الطبعة الأولى ، سنة 1983؛

أمام العرش، الطبعة الأولى، سنة 1983م.

العائش في الحقيقة، الطبعة الأولى، سنة 1985م؛

يوم مقتل الزعيم، الطبعة الأولى، سنة 1985م؛

حديث الصباح والمساء، الطبعة الأولى، سنة 1987م؛

قشتمر، الطبعة الأولى ، سنة 1988م؛

وقد كتب نجيب محفوظ كذلك (12) مجموعة قصصية و(7) مسرحيات. فمن مجموعاته القصصية: همس الجنون(1938)، ودنيا الله(1962)، وبيت سيء السمعة(1965)، وخمارة القط السود( 1969)،وحكاية بلا بداية ولانهاية(1971)، وشهر العسل(1971)، والجريمة (1973)، والحب فوق هضبة الهرم(1979)، والشيطان يعظ(1979)، ورأيت فيما يرى النائم(1982)، والتنظيم السري(1984)، وصبح الورد (1987)، والفجر الكاذب(1988).

ومن نصوصه المسرحية: تحت المظلة(1969)، ويحيي ويميت، ومشروع للمناقشة، والتركة، والنجاة، والمهمة.

واستدراكا على ماسبق، هناك من يقول: إن أول نص روائي لنجيب محفوظ ظهر سنة 1939م، وفي هذه السنة بالذات صدرت رواية “عبث الأقدار“. وهناك من يؤرخ لها بسنة 1938م، وهناك أيضا من يشير إلى ” مصر القديمة ” التي ظهرت سنة 1932م من تأليف جيمس بيكي، ومن ثم، فهي ترجمة عن اللغة الإنجليزية

د- بنية العنوان:

من يتأمل عنوان الرواية ( اللص والكلاب)، فإنه سيجده عبارة عن جملة اسمية بسيطة مركبة من المبتدإ ( اللص)،والخبر محذوف وهو النص بأكمله، وجملة العطف تتكون من حرف عطف والمعطوف عليه. وتتكون البنية العنوانية من كلمتين بينهما رابط واصل( عطفي). وينبني العنوان على الاختصار والاختزال والحذف الدلالي.

ويحمل العنوان على الرغم من حرفيته بعدا رمزيا فانطاستيكيا قائما على المسخ والامتساخ المشوه، إذ يشبه الكاتب عليش سدرة ونبوية ورؤوف علوان بالكلاب الماكرة واللصوص الخادعة الزائفة، ويوضح هذا الطرح ماكتبه نجيب محفوظ في المقاطع الأخيرة من الرواية:” وانهال الرصاص حوله فخرق أزيزه أذنيه، وتطاير نثار القبور. وأطلق الرصاص مرة أخرى وقد ذهل عن كل شيء فانصب الرصاص كالمطر. وفي جنون صرخ:

ياكلاب!

وواصل إطلاق النار في جميع الجهات.”

ويعني هذا أن الرواية تنتقد أصحاب الشعارات الزائفة كرؤوف علوان ، وأصدقائه الماكرين كالمعلم بياضة وعليش، وزوجته الخائنة كنبوية. ويدل الامتساخ الكاريكاتوري في الرواية على انعدام الإنسانية الحقيقية وتحول الإنسان إلى حيوان خادع لايحسن سوى الخيانة والكيد والمكر مصداقا لقولة هوبز: “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان”.

ويتسم العنوان بهيمنة المكون الفاعلي الذي يحضر عند نجيب محفوظ في الكثير من رواياته ومجموعاته القصصية مثل: أولاد حارتنا، وحضرة المحترم، والشحاذ، واللص والكلاب….

هــــ- الوصف الطيبوغرافي:

إن الرواية التي نشتغل عليها صدرت في طبعتها الأولى سنة1961م إبان الثورة الناصرية الاشتراكية ، عهد جمال عبد الناصر الذي أمم قناة السويس وقاوم العدوان الثلاثي وشيد السد العالي. وطبعت الرواية في حجم متوسط مقاسه ( 19.5سم/ 13.5 )، أي إن هذه الرواية مستطيلة الشكل تتداخل فيها الأبعاد الثلاثة( الطول والعرض والحجم). أما عدد صفحاتها، إذا اعتمدنا الطباعة التجارية الصادرة عن مطبعة مكتبة مصر ( الفجالة) بالقاهرة، فهي 143 صفحة. وتخلو الرواية من الفصول والنجيمات البصرية (***) التي نجدها مثلا في رواية “ بداية ونهاية

الغلاف الخارجي:

يحتوي الغلاف الخارجي الأمامي للرواية على بوسترPoster ملون بألوان مختلفة تتداخل فيها الألوان الباردة كاللون الأزرق واللون الأخضر، والألوان الساخنة كاللون الأحمر واللون البرتقالي ، كما يتقاطع فيه البياض مع السواد. وتعبر هذه الألوان المتناقضة عن جدلية الحياة والموت، والحب والانتقام، والفرح والحزن، والشقاء والسعادة.

هذا، ويحيل المسدس على الرواية البوليسية أو رواية الجريمة، كما تحيل المرأة على الحب والجنس والإباحية وتردي القيم الأخلاقية وتفسخ المجتمع وانحطاط الإنسان.

وأظن أن رسام هذه اللوحة التشكيلية هو جمال قطب الذي صور الكثير من اللوحات الواقعية التي تصدرت بها أغلفة روايات نجيب محفوظ الروائية والقصصية.

إذاً، فاللوحة ذات تشكيل واقعي بعيد عن التجريد وأشكاله، فهو يشير إلى أحداث القصة أو على الأقل إلى مشهد مجسد من هذه الأحداث. وعادة ما يختار الرسام موقفا أساسيا في مجرى القصة يتميز بالتأزيم الدرامي للحدث. ولا يحتاج القارئ إلى كبير عناء في الربط بين النص والتشكيل بسبب دلالته المباشرة على مضمون الرواية. وببدو أن حضور هذه الرسوم الواقعية تقوم بوظيفة إذكاء خيال القارئ ودغدغة عواطفه، لكي يتمثل بعض وقائع القصة وكأنها تجري أمامه.

ويمكن اعتبار العناوين وأسماء المؤلفين وكل الإشارات الموجودة في العلاف الخارجي الأمامي داخلة في تشكيل المظهر الخارجي للرواية. كما أن ترتيب واختيار مواقع كل هذه الإشارات، لا بد أن تكون له دلالة جمالية أو قيمية. فوضع الاسم في أعلى الصفحة، لايعطي الانطباع نفسه الذي يعطيه وضعه في الأسفل. ولذلك غلب تقديم الأسماء في معظم الكتب الصادرة حديثا في الأعلى إلا أنه يصعب على الدوام ضبط جميع التفسيرات الممكنة وورود فعل القراء، وكذا ضبط نوعية التأثيرات الخفية التي يمارسها توزيع الموقع في التشكيل الخارجي للرواية، إلا إذا قام الباحث بدراسة ميدانية.

ويمكن اعتبار حيثيات النشر عناوين فرعية إلى جانب العنوان البصري والتعيين الجنسين، بيد أن رواية” اللص والكلاب ” إذا كانت قد ذكرت المطبعة ومكانها، فإنها لم تحدد زمنها وعدد طبعاتها.

المتن الحكائي:

تصور رواية” اللص والكلاب” سعيد مهران بعد خروجه من السجن الذي قضى فيه سنوات عدة، أربع منها كانت غدرا، كان وراءها المعلم عليش سدرة وزوجته نبوية اللذين تآمرا عليه ودبرا له مكيدة للتخلص من وجوده العابث وتهديداته الطائشة، فأصبحت بنته سناء في كنف أمها ورعاية عليش منذ عامها الأول. بينما غيّب سعيد مهران بين قضبان السجون يندب حظه التعيس وأيامه النكداء بسبب مبادئه الثورية الزائفة التي لقنها إياها معلمه رؤوف علوان:

” مرة أخرى يتنفس نسمة الحرية، ولكن الجو غبار خانق وحر لايطاق. وفي انتظاره وجد بدلته الزرقاء وحذاءه المطاط، وسواهما لم يجد في انتظاره أحدا. ها هي الدنيا تعود، وها هو باب السجن الأصم يبتعد منطويا على الأسرار اليائسة. هذه الطرقات المثقلة بالشمس، وهذه السيارات المجنونة، والعابرون والجالسون، والبيوت والدكاكين، ولاشفة تفتر عن ابتسامة… وهو واحد، خسر الكثير، حتى الأعوام الغالية خسر منها أربعة غدرا، وسيقف عما قريب أمام الجميع متحديا. آن للغضب أن ينفجر وأن يحرق، وللخونة أن ييأسوا حتى الموت، وللخيانة أن تكفر عن سحنتها الشائعة. نبوية وعليش، كيف انقلب الاسمان اسما واجدا؟ أنتما تعملان لهذا اليوم ألف حساب”

يشكل هذه المقطع الاستهلال الروائي الحدثي بؤرة الرواية وتمفصلها الأساسي ؛ لأنه يلخص كل الأحداث التي وقعت والتي ستقع داخل الرواية، كما توجز حبكة الرواية وعقدتها الجوهرية التي تتمثل في الانتقام من الخونة والثأر من الذين غدروا به وهم: المعلم عليش وزوجته نبوية ورؤوف علوان.

وبعد ذلك، يلتجئ الروائي إلى تمطيط هذا الاستهلال وتوسيعه وتبئيره سردا وتحبيكا وتشويقا عبر مسار المتن الحكائي، لتكون النهاية سلبية تنتهي باستسلام سعيد مهران وموته وفشله في إنجاز مهمته وأداء البرامج السردية التي أنيط بترجمتها وتنفيذها. ومن ثم، تصبح شخصية سعيد مهران شخصية إشكالية غير منجزة بسبب فشلها الذريع في الانتقام من أعدائه الخونة؛ بسبب السقوط في شرك الأخطاء والظنون والتوهمات العابثة التي جعلت الحياة في منظورها بدون جدوى ولا معنى .

وإذا كان الاستهلال الروائي ينبني على حبكة حدثية مسبقة، فإن المتن أو المركز الوسطي هو تنفيذ للانتقام والثأر. بيد أن هذا الفعل كان مجانيا وعشوائيا لايصيب إلا الأبرياء من البوابين وضحايا المستغلين البشعين. أما نهاية الرواية، فقد ركزت على فعل المطاردة وسحق المجرم تحت ضربات وطلقات الرصاص التي حولت مكان اختباء سعيد مهران إلى مقبرة مصيرية له.

وبهذا، تتخذ الرواية طابعا سينمائيا حركيا Action ، لأن المتن الروائي كتب بطريقة السيناريو القابل للتشخيص السينمائي والإخراج الفيلمي الدرامي. وفعلا، فقد تم إخراج هذا الفيلم سينمائيا منذ سنوات مضت في مصر؛ نظرا لتوفر الرواية على لقطات بصرية وحركية تستطيع جذب المتفرج.

وعلى أي، فبعد خروج سعيد مهران من زنزانته العدائية المغلقة، لم يجد أحدا من عائلته وأقربائه وأصدقائه في انتظاره خارج السجن، وهذا يشير إلى كونه مكروها من الجميع ومنبوذا بسبب سلوكياته المنفرة. بيد أن ماكان يسرقه من منازل الأغنياء وڤيلاتهم كان يعتبر فعلا بطوليا عند رؤف علوان، إنه نتاج التفاوت الاجتماعي والصراع الطبقي بين الأغنياء والفقراء. ولم يلتجئ سعيد مهران إلى هذه السرقة الطبقية إلا بعد موت أسرته الفقيرة ، أبيه البواب الذي مات مريدا سالكا مؤمنا حامدا لله، والأم التي عبث بها الفقر والنكد حتى ماتت طريحة الفراش في البيت المنهوك من شدة الفاقة و فوق سرير المستشفى الذي بقيت فيه بدون عناية ورعاية صحية إنسانية.

ولم يبق أمام سعيد مهران في هذه الظروف الصعبة إلا بالجمع بين دراسته والاشتغال بوابا، ليستكمل حياته بسرقة طلاب العلم وممتلكات الأغنياء. وكان أستاذه رؤوف علوان يشجعه على ذلك؛ لأن مصر الثورة كانت تتصارع جدليا مع الأسياد الأغنياء الذين حولوا الشعب المصري إلى عبيد ومستضعفين. وقد أشاد رؤوف علوان بهذه السرقات التي كان يعتبرها فعلا بطوليا و إنجازا ثوريا للقضاء على الطبقة الإقطاعية الغنية.

وهكذا، قرر سعيد مهران بعد خروجه من فضائه العدواني المنغلق أن ينتقم أولا من المعلم عليش وزوجته نبوية، واتجه حيال منزلهما بميدان القلعة الذي وجده محفوفا بالمخبرين الذين يحرسونه من كل سوء، وينتظرون اليوم الذي ستفتح أبواب السجن لسعيد ليأخذ ثأره على غرار أهل الصعيد في جنوب مصر.

ولما فشلت مفاوضات سعيد مع عليش حول استرجاع البنت والزوجة اللتين أنكرتا وجود سعيد واستنكرتا تصرفاته الدنيئة وسرقاته الموصوفة وتهديداته الماكرة، قرر سعيد مهران الاستعداد للمهمة والتأهب للانتقام من المعلم عليش، بعد أن نصحه المعلم بياضة والمخبر بالابتعاد عن هذه السكة التي لاتحمد عواقبها .

وغير سعيد وجهته، فقصد رؤوف علوان الذي أصبح صاحب جريدة ثورية مشهورة في البلد تسمى بـــ” الزهرة” تدافع عن سياسة الحكومة الجديدة، وصار بفضلها من أغنياء البلد ورجالها المعروفين في المجتمع والمقربين من رجال السلطة المحترمين.

وعندما استضاف رؤوف علوان سعيد مهران في منزله الفاخر في شكل ڤيلا واسعة الأرجاء ، كثيرة الأثاث والتحف الغنية، نادمه وأعطاه بعض النقود ليستكمل حياته من جديد بشرف وكرامة. وطلب سعيد من رؤوف أن يشغله محررا في جريدته، لكن رؤوف رفض ذلك، وأمره بأن يبحث عن شغل آخر يتناسب مع وضعه الاجتماعي.

وعندما خرج إلى المدينة تائها في طرقاتها وشوارعها، فكر في خطة الانتقام والتخلص أولا من رؤوف علوان الذي خان مبادئ الثورة وقيم الاشتراكية والعدالة الاجتماعية، وصار خادعا للشعب وماكرا كبيرا يزيف الحقائق التي من أجلها دخل سعيد السجن ومكث فيه سنوات عدة، أربع منها كانت بسبب الغدر والكيد الخادع.

وعندما فشلت محاولة سعيد مهران في سرقة ممتلكات مسكن رؤوف علوان الذي كان ينتظره بمسدسه العاتي؛ لأنه كان يعلم أن سعيد سيأتي للانتقام منه وسرقة مايملكه من أموال وأشياء ثمينة، فاسترد منه رؤوف جنيهاته ، وحذره أن يعيد الكرة وإلا سيزج به في السجن مرة أخرى.

وبعد أن عفا عنه رؤوف علوان،اتجه سعيد صوب رباط الشيخ علي الجنيدي للاستراحة الروحية والنفسية . وكان علي الجنيدي نقيب السالكين العارفين صديقا وفيا لأبيه الصالح، الذي قضى بدوره حياته في الجذب الصوفي والسفر النوراني والتعراج الروحاني مقتربا من الحضرة الربانية والسعادة القدسية اللدنية.

وبوصول سعيد إلى فضاء الجنيدي المفتوح، أحس براحة داخلية تغمره داخل هذا الفضاء العرفاني الصادق، على الرغم مما كان يحس به من ظمإ وجوع ينخران جسمه المتهالك، وماكان يعانيه من شدة الحقد والحنق على عليش ونبوية ورؤوف.

وكانت لسعيد مهران صداقة حميمية مع المعلم طرزان صاحب مقهى كان يتعود عليه قبل الزج به في السجن، وعرفه سعيد بآخر الأخبار، وطلب منه أن يساعده بمسدس لينتقم من الأوغاد والخونة والكلاب المسعورة التي تنهش اللحوم البشرية النيئة.

ويعد ذلك، سيعرف سعيد عشيقته نور حسناء الحانات والملاهي والأماكن الخالية ، والتي كانت في الماضي معجبة بفتوة سعيد وشجاعته الرجولية، لكن سعيد كان مغرما بخائنته نبوية.

ويقضي سعيد مهران أياما مع نور في شقتها المهترئة من شدة الفقر بين الانتظار اليائس واقتناص لذات الجسد العاطش. ومن هذه الشقة المتواضعة، كان ينطلق سعيد ليصوب رصاصاته الطائشة على علوان وزوجته نبوية ورؤوف علوان، بيد أن هذه الرصاصات كانت تخطئهم جميعا لتصيب الأبرياء والبوابين وضحايا الغبن والاستغلال. وهذا ماجعلت الصحف تكتب عن هذه الجرائم العابثة في حق الأبرياء والضعفاء والفقراء ، والتي لحسن الحظ كان ينجو منها الماكرون والخونة.

وفي الأخير، لم تجد كل محاولات الثأر والانتقام، فغدا سعيد مهران إلى فضاء الشيخ الجنيدي ليستلقي بجسده المتعب من شدة الضنى والتعب العابثين. ومن هناك، سيهرب سعيد إلى المقبرة بعد أن أحس بمطاردة المخبرين والكلاب له في كل مكان وناحية، فلم يجد حلا سوى الاستسلام للأوغاد والكلاب الذين أردوه طريحا بين أحضان المقبرة الصامتة لتضع نهاية لحياته العابثة:

” وفي جنون صرخ:

ياكلاب!

وواصل إطلاق النار في جميع الجهات.

وإذا بالضوء الصارخ ينطفئ بغتة فيسود الظلام. وإذا بالرصاص يسكت فيسود الصمت. وكف عن إطلاق النار بلا إرادة. وتغلغل الصمت في الدنيا جميعا. وحلت بالعالم حال من الغرابة المذهلة. وتساءل عن…. ولكن سرعان ماتلاشى التساؤل وموضوعه على السواء وبلا أدنى أمل. وظن أنهم تراجعوا وذابوا في الليل. وأنه لابد قد انتصر.وتكاثف الظلام فلم يعد يرى شيئا ولا أشباح القبور. لاشيء يريد أن يرى. وغاص في الأعماق بلا نهاية. ولم يعرف لنفسه وضعا ولا موضوعا ولا غاية. وجاهد بكل قوة ليسيطر على شيء ما، ليبذل مقاومة أخيرة. ليظفر عبثا بذكرى مستعصية. وأخيرا لم يجد بدا من الاستسلام فاستسلم بلا مبالاة… بلا مبالاة…”

وهكذا، تنتهي الرواية بنهاية تنم عن العبث والاستهتار واللامبالاة والاستسلام بدون إرادة واعية ؛ لأن الحياة لاتستحق أن تعاش بين هؤلاء الكلاب اللعينة الغادرة.
الشخصية في رواية اللص والكلاب:

سوف نحاول في هذا المبحث التطبيقي أن نرصد صورة الشخصية في رواية نجيب محفوظ “اللص والكلاب” من خلال التركيز على شخصية واحدة ألا وهي شخصية سعيد مهران.

سعيد مهران في رواية “اللص والكلاب ” شخصية متأزمة تعيش مأزقا مصيريا، إنها تذكرنا بالبطل الإشكالي اللوكاشي والگولدماني. يحمل البطل قيما أصيلة يحاول أن يغرسها في المجتمع الذي يعيش فيه إلا أنه يصاب بالخيبة والفشل عندما يحتك بواقعه المنحط الذي تسوده القيم الكمية الزائفة والوساطة المادية التبادلية. ولم يستطع تغيير واقعه على الرغم من محاولاته الخاطئة التي كانت تصيب الأبرياء فقط دون أعدائه. إن سعيد مهران لم يستطع أن ينجز الأفكار والمبادئ التي كان يؤمن بها والتي تعلمها من رؤوف علوان؛ لأن الواقع كان مهترئا تسوده السلبية المتدهورة ، كما أن هذا الواقع الذي يحاول أن يفجر فيه سعيد مهران أفعاله هو واقع غير مكتمل وغير منجز، تعبث به أيدي الإجرام والخيانة والغدر.

يصور نجيب محفوظ شخصيته الأساسية في الرواية باعتبارها شخصية مأساوية على عتبة القرار الأخير في لحظة الأزمة وفي لحظة انعطاف فعلها نحو اللاجدوى واللافعل أو نحو فعل غير منجز وغير محسوب.

هذا، وتصور رواية اللص والكلاب شخصية سعيد مهران بأنه لص خرج من السجن صيفا بعد أن قضى به أربعة أعوام غدرا لينتقم من الذين اغتنوا على حساب الآخرين، وزيفوا المبادئ، وداسوا على القيم الأصيلة مثل: رؤوف علوان وعليش سدره ونبوية لكي يجعل من الحياة معنى بدلا من العبثية ولا جدواها. وهكذا قرر أن ينتقم من هؤلاء الكلاب إلا أن محاولاته كانت كلها عابثة تصيب الأبرياء وينجو منها الأعداء مما زاد الطين بلة. فصارت الحياة عبثا بلا معنى ولاهدف ، ولقي مصيره النهائي في نهاية الرواية بنوع من اللامبالاة وعدم الاكتراث:” ولم يعرف لنفسه وضعا ولا موضعا، ولا غاية وجاهد بكل قسوة ليسيطر على شيء ما ليبذل مقاومة أخيرة، ليظفر عبثا بذكرى مستعصية، وأخيرا لم يجد بدا من الاستسلام،فاستسلم بلا مبالاة…بلامبالاة”.

تتموقع هذه الصورة الروائية الدرامية – سياقيا -عندما حوصر سعيد مهران من قبل المخبرين والكلاب في آخر نهاية الرواية. فهذه الصورة الروائية ذات قاموس وجودي تتمثل في الكلمات الآتية: غاية، عبث، بلا مبالاة، لم يعرف وضعا ولا موضعا. إنها تؤكد مدى سيزيفية شخصية سعيد مهران التي أصيبت بالخيبة عندما انهارت قيم المجتمع ومبادئه الأصيلة. وتوصف شخصية الرواية الرئيسية بأنها شخصية متأزمة متوترة تعيش فضاء العتبة، فضاء القلق والتردد والتمزق بين الذات والموضوع. إنها شخصية مغلقة لاوجود لها، مصيرها عبث بدون كينونة حقيقية، ولامكان لها ولاهدف، إنها حياة بلا طعم ولا لذة. وذهبت محاولات سعيد مهران كلها سدى، لم تستطع أن تجعل من الحياة هدفا ذا معنى. فلم تكن مقاومته في الأخير إلا عملا غير منجز وغير مكتمل، انتهى بالموت والمصير المحتوم. لذلك ارتضى بطل الرواية سبيل الاستسلام والموت الرخيص مادامت الحياة عبارة عن لامبالاة. ولقد كرر السارد هذه الكلمة تأكيدا على عبثية الحياة وعدم استحقاقها لأن تعاش، مادامت القيم الكيفية أصبحت قيما منحطة ومشيأة:” وأخيرا جاءت الكلاب وانقطع الأمل، ونجا الأوغاد ولو إلى حين، وقالت الحياة كلمتها الأخيرة بأنها عبث ومن المستحيل تحديد مصدر النباح الذي ينطلق مع الهواء في كل موقع وألا أمل في الهروب من الظلام بالجري في الظلام، نجا الأوغاد وحياتك عبث”

يتسم المعجم اللغوي في هذه الصورة الروائية بالطاقة الرمزية والشحنة الإيمائية والكنائية. فالكلاب هنا رمز للخونة والانتهازيين الذين غدروا بسعيد مهران وداسوا على المبادئ التي كانوا ينادون بها كالحرية والعدالة الاجتماعية ولاسيما رؤوف علوان وزوجته نبوية التي غدرت به وتزوجت عليش سدره .أما كلمة الأوغاد فهي دلالة على اللصوص الحقيقيين الذين خانوا العهد وفرطوا في القيم الأصيلة التي كانوا يتشدقون بها. أما الظلام فيتضمن بعدين: بعدا مرجعيا وبعدا رمزيا، فهناك الظلام باعتباره مؤشرا على سوداوية الفضاء وتأزمه، والظلام بالمفهوم الكنائي يعني الظلم الاجتماعي والسياسي وضغط الحكومة وجور سلطتها وانتهازية أعوانها . وتصور هذه الصورة مأزقية الشخصية الروائية (سعيد مهران) عندما ووجهت من كل مكان من قبل الشياطين الآدمية وقوى الكم والإحباط ، وخصوصا أن سياق الصورة يتموقع عندما بدأت الكلاب سواء أكانت حقيقية أم مجازا تتبع آثار اللص الذي اختفى في الظلام بين القبور، هذا الفضاء الذي يؤشر على الموت والنهاية التراجيدية، ولكن هذه النهاية بلا أمل ولا غاية.

أما على المستوى البلاغي، فالسارد يعمد إلى تشخيص الموقف عبر تأزيمه عندما جعل الحياة تحكم على إنجازات سعيد مهران بالفشل والعبثية لأنها إنجازات غير مكتملة ،وبالتالي لم تحقق معناها في هذا العالم غير المكتمل ،كما ساهمت هذه الاستعارات الروائية في مأساوية الموقف ودراميته عندما كررت الحياة حكمها على لسان السارد بأنها عبث. كما وظف نجيب محفوظ تقنية الالتفات وذلك عندما تحدث عن نجاة الأوغاد ، وأن الحياة قالت كلمتها الأخيرة بأن حياة سعيد مهران عبث، والتفت بعد ذلك إلى نباح الكلاب لتحديد مصدرها. ومن ثم، انتقل من الغياب إلى الخطاب، ليلتفت إلى شخصية مهران رغبة في تأكيد عبثية حياته. وهذا الالتفات على مستوى التلقي له وظائف جمالية عدة من بينها: التشويق؛ لأن القارئ ينتظر نهاية الشخصية واندحارها وذوبانها بعد أن تحاصرها الكلاب. إلا أن السارد قبل أن يحدد هذا الحصار، يوقف القارئ إلى عبثية الشخصية، ثم يعود إلى تأكيد الحصار وتعدد مصادر نباح الكلاب، ويعود في الأخير ليؤكد عبثية حياة سعيد مهران ولا جدواها:” وصاح صوت وقور:

سلم، وأعدك بأنك ستعامل بإنسانية.

كإنسانية رؤوف ونبوية وعليش والكلاب!(….)

- حسن ماذا تنوي؟ اختر بين الموت وبين الوقوف أمام العدالة.

فصرخ بازدراء:

- العدالة!
أنت عنيد، أمامك دقيقة واحدة…

ورأت عيناه المعذبتان بالخوف شبح الموت يشق الظلام”.

في هذه الصورة الروائية، يتم تصوير موقف الحصار وتأزيمه عبر توتر الأحداث ودراميتها باعتباره سياقا للصورة. يطلب أصحاب القرار والسلطة من سعيد مهران أن يسلم نفسه وأنه سوف يعامل بإنسانية؛ بيد أن سعيد مهران سفه عبر المناجاة الداخلية والمنولوج من خلال حوار الذات المتأزمة منطق تلك الإنسانية . وإن علامة التعجب التي استخدمها الكاتب أيقونيا دلالة على الاستهزاء والسخرية والتهكم من مفاهيم الواقع المتعفن وتصوراته الإيديولوجية المستلبة . إن الإنسانية في هذه الصورة الروائية مكثفة بالترميز والإيحاء الذي يلمح إلى التفكير البراجماتي القائم على المصلحة والمنفعة.

إن سعيد مهران كما يتضح من خلال الصور الروائية الجزئية والبناء الكلي لدلالة العمل رمز للوطنية الصادقة والروح الشعبية الحقيقية والنضال الاجتماعي المستميت من أجل المبادئ والقيم الأصيلة. وقد كان بمثابة نبراس يستضيء به الكثيرون من أبناء الشعب الكادح والمقهور في حياتهم التي يسودها النفاق الاجتماعي والابتزاز اللامشروع باسم النضال. إن شخصية سعيد مهران لهي شخصية متمردة عن قيم المجتمع ومبادئه الزائفة التي طالما دنست كرامة الإنسان وأنفته.

و لايسعنا في آخر هذا المبحث إلا أن نؤكد بأن صورة الشخصية لايمكن أخذها مأخذا جماليا وفنيا إلا في إطارها الإنساني وسياقها الجزئي والكلي عبر مستوياتها الخمس: قواعد الجنس والطاقة اللغوية والطاقة البلاغية والمستوى الذهني والسياق النصي.

وهكذا اهتدينا في مبحثنا إلى إثارة الانتباه إلى أهمية الصورة الروائية وضرورتها في كل عملية تحليلية يمكن” أن يخضع لها نص روائي، مبرزا فعاليتها الجمالية في التكوين النصي، ولقد ترتب عن تبني الصورة الروائية باعتبارها مكونا بلاغيا جديدا ضرورة استثمار مكونات وسمات روائية قلما استغلت طاقاتها في مجال التحليل الروائي كالامتداد والتوتر والتكثيف والدينامية والصور الذهنية والجزئية والكلية”.

وبناء على ماسبق، لابد أثناء مقاربة الصورة الروائية للشخصية من مراعاة خصوصيات التجنيس الروائي السردي، وتجاوز مفاهيم الشعر ومصطلحاته الإجرائية إلى التسلح بمفاهيم مستمدة من جنس الرواية بصفة خاصة وفن السرد بصفة عامة.

وهكذا نؤكد مطمئنين أن الصورة الروائية لقراءة جادة ومعاصرة في مقاربة النصوص الروائية في أبعادها الجمالية والأسلوبية والإنسانية والبلاغية عبر سياقاتها الذهنية والخارجية والنصية


الفضاء الروائي:

يرصد نجيب محفوظ في هذه الرواية الفلسفية العبثية مدينة القاهرة بفضاءاتها المتناقضة إبان المرحلة الاشتراكية الناصرية في سنوات عقد الخمسين وسنوات عقد الستين حيث كانت تتميز بالتفاوت الاجتماعي والصراع الطبقي.

فيعد انتهاء المرحلة الملكية ونفي الملك فاروق إلى إيطاليا، تولى الضباط الأحرار حكم مصر ونهجوا السياسة الثورية الاشتراكية. بيد أن الشعارات التي كانوا يدعون إليها شعارات زائفة لاتعبر إلا عن الممارسة الأرستقراطية الحقيقية. أي إن فترة العهد الناصري كانت تتميز بانعدام العدالة الاجتماعية، وانتشار الفقر والفاقة بين أوساط المجتمع، وانتشار البيروقراطية وخيانة المبادئ الثورية الاشتراكية، وانتشار الغنى الفاحش بين أوساط الضباط الأحرار والتابعين لهم. ولم تطبق الاشتراكية ميدانيا كما كان يدعو إليها الثوار، بل خان هؤلاء المبادئ والشعارات التي كانوا يرددونها.

ومن الفضاءات التي نستحضرها في هذا النص الروائي الفضاء العدائي الذي يتمثل في السجن الذي قضى فيه سعيد مهران سنوات عدة منها أربع سنوات قضاها غدرا وخيانة من قبل عليش ونبوية ورؤوف علوان. ومن الفضاءات العدائية الأخرى نذكر المقبرة التي استسلم فيها سعيد للامبالاة والأوغاد الخونة، والمقهى الذي تحول إلى مكان للمخبرين الذين يتصيدون سعيد للإيقاع به.

كما توجد فضاءات حميمية مقابلة كفضاء التصوف الذي يسهر عليه الشيخ علي الجنيدي، ومنزل نور الذي يختبئ فيه من أعدائه والمخبرين الذين يتتبعونه في كل مكان.

أما فضاء العتبة أو فضاء المأساة والمواقف المتأزمة فيتمثل في الشوارع والمقاهي المفتوحة والحارات المكتظة بالناس، وميدان القاهرة الذي يغص بالناس من فئات اجتماعية وطبقية مختلفة.

ويمكن تصنيف فضاءات الرواية إلى فضاءات منغلقة كالسجن وبيت عليش وشقة نور وڤيلا رؤوف علوان، وفضاءات مفتوحة كالرباط الصوفي ومقهى المعلم طرزان وفضاء الصحراء.

وقد انتقل الكاتب في وصفه والتقاطه للفضاءات المكانية من لقطات عامة تهدف إلى تصوير فضاء القاهرة، وبعد ذلك ينتقل إلى لقطات متوسطة لتصوير شوارع الميدان، لينتقل في الأخير بالكاميرا إلى التقاط صورة المقهى ومنزل عليش.

ومن هنا، تتداخل الأمكنة والفضاءات الحميمية والعدائية والمتفاوتة طبقيا واجتماعيا في مصر الستينيات من القرن الماضي التي كانت تتسم بجدلية الصراع الداخلي والخارجي.

الوصف في الرواية:

ينصب الوصف على الأشخاص والأمكنة والأشياء والوسائل، وله وظائف جمالية ودلالية وتوضيحية تفسيرية. ويقوم الوصف بتمثيل الموجود مسبقا ومحاكاته من أجل الإيهام بوجوده الحقيقي والمرجعي( الإيهام بالواقعية). ويهتم الوصف في الرواية الواقعية بتحديد المجال العام الذي يتحرك فيه الأبطال. ويعني هذا أن الوصف يستخدم في تحديد الخطوط العريضة لديكور الرواية، ثم لإيضاح بعض العناصر التي تتميز بشيء من الأهمية.

ومن العناصر التي تم التركيز عليها وصفا وتشخيصا وتجسيدا تصوير الشخصيات فيزيولوجيا واجتماعيا وأخلاقيا ونفسانيا، كوصف سناء التي أثارت أباها سعيد مهران بوجودها الرائع ؛ لأنه ترك بنته الوحيدة وهي طفلة صغيرة بين الأيدي الخائنة:” وعندما ترامى وقع الأقدام القادمة ، خفق قلب سعيد خفقة موجعة وتطلع إلى الباب وهو يعض على باطن شفتيه. مسح تطلع شيق وحنان جارف جميع عواصف الحنق. وظهرت البنت بعينين داهشتين بين يدي الرجل، ظهرت بعد انتظار طال ألف سنة. وتبدت في فستان أبيض أنيق وشبشب أبيض كشف عن أصابع قدميها المخضبتين. وتطلعت بوجه أسمر وشعر أسود مسبسب فوق الجبين فالتهمتهما روحه.”

ويصف الكاتب رؤوف علوان ساخرا من مبادئه الزائفة وثورته الواهمة التي ذهب ضحيتها كثير من الأبرياء والفقراء والبؤساء وزجوا بهم في السجن من أجل أن يستفيدوا من المناصب السامية ويقتسموا الثروة ليعيش الآخرون جوعا وفاقة:” رؤوف علوان، خبرني كيف يغير الدهر الناس على هذا النحو البشع؟! الطالب الثائر. الثورة في شكل طالب. صوتك القوي يترامى إلي عند قدمي أبي في حوش العمارة، قوة توقظ النفس عن طريق الأذن،عن الأمراء والباشوات تتكلم. وبقوة السحر استحال السادة لصوصا. وصورتك لاتنسى وأنت تمشي وسط أقرانك في طريق المديرية بالجلابيب الفضفاضة وتمصون القصب… وكنت بين المستمعين لك عند النخلة التي نبتت عند جذورها قصة حبي وكان الزمان ممن يستمعون لك. الشعب… السرقة… النار المقدسة. الثروة…الجوع….العدالة المذهلة. ويم اعتقلت ارتفعت في نظري إلى السماء. وارتفعت أكثر يوم حميتني عند أول سرقة. ويوم رد حديثك عن السرقة إلي كرامتي. ويوم قلت لي في حزن” سرقات فردية لا قيمة لهان لابد من تنظيم!”. ولم أكف عن القراءة والسرقة بعد ذلك. وكنت ترشدني إلى السماء الجديرة بالسرقة. ووجدت في السرقة مجدي وكرامتي. وأغدقت على أناس كان من بينهم للأسف عليش سدرة.”

ووصف الكاتب عليش سدرة و زوجته نبوية وخليلته نور في عدة مواضع من الرواية عبر مستويات خارجية واجتماعية وأخلاقية ونفسية تكشف لنا انتهازية عليش وخيانة رؤوف علوان ومكر نبوية واستهتار نور وصفاء الشيخ الجنيدي ونكران سناء لأبيها الخارج من السجن .

وينقل لنا الكاتب أمكنة متناقضة ، البعض منها يوحي بالغنى والثراء كڤيلا رؤوف علوان الغاصة بالأشياء الثمينة، والبعض الآخر يوحي بالفقر والفاقة والخصاص كشقة نور.

وإليكم مقطعا وصفيا يتداخل فيه وصف المكان ووصف الأشياء لتجسيد التفاوت الطبقي والصراع الاجتماعي:” وأضاء خادم النجفة بصر سعيد بمصابيحها الصاعدة ونجومها وأهلتها. وعلى ضوئها المنتشر تجلت مرايا الأركان عاكسة الأضواء، وتبدت التحف الثاوية على الحوامل المذهبة كأنها بعثت من ظلمات التاريخ، وتهاويل السقف وزخارف الأبسطة والمقاعد الوثيرة والوسائد المستقرة عند ملقى الأقدام. وأخيرا استقر البصر على وجه الأستاذ الممتلئ المستدير، ذلك الوجه الذي طالما عشقه وحفظه عن ظهر قلب لطول ما أحدق فيه منصتا. وبينا راح الخادم يفتح بابا مطلا على الحديقة في الجدار الأيسر ويكشف عنه ستائره مضى وهو ينظر إلى الأستاذ ويلحظ الروائع مسترقا.”

و يلاحظ أن الكاتب لم يفصل كثيرا في وصف شخصياته وأماكنه وأشيائه كما كان يفعل بلزاك وستندال وفلوبير، بل اكتفى بفقرات موجزة ومقاطع موحية. ولكن وصفه لم يكن مقلا كما هو الحال عند الروائيين الجدد والذي كان يتسم بالإضمار والحذف والاختزال. وقد أحسن نجيب محفوظ وصف الأشياء التي تشير إلى تبرجز المجتمع العربي وشروعه في التأثيث وتملك الأشياء واقتناء التحف والأدوات الثمينة.

الرؤية السردية:

يستند الكاتب في رواية ” اللص والكلاب ” إلى الرؤية من الخلف واستعمال ضمير الغائب والسارد المحايد الموضوعي الذي لايشارك في القصة كما في الرؤية من الداخل، بل يقف محايدا من الأحداث يصف ويسرد الوقائع بكل موضوعية . ويشبه هذا السارد الإله الخفي ؛ لأنه يملك معرفة مطلقة عن الشخصيات ويعرف كل شيء عن شخصياته المرصودة داخل المتن الروائي خارجيا ونفسيا، إذ يزيل سقوف الشقق وجدران الغرف من أجل أن يدخل إلى البيوت لاستكناه أفعالهم وتصوير مشاعرهم الداخلية:” وجلس عند النخلة يشاهد صفي المريدين تحت ضوء الفانوس ويقضم دومة وينعم بسعادة عجيبة. وكان ذلك سابقا لنزول أول قطرة حارقة من شراب الحب. وأغمض الشيخ عينيه فكأنه نام. وألف هو المنظر والجو حتى البخور لم يعد يشمه. وطرأت فكرة بأن العادة أساس الكسل والكلل والموت. وهي المسؤولة عما عانى من خيانة وجحود وضياع جهد العمر سدى”.

ويتبين لنا من هذا المقطع أن الكاتب يستعمل الرؤية من الخلف وضمير الغائب ورصد ماهو خارجي وماهو داخلي، كما أن الراوي محايد ينقل لنا الحدث والشخصيات والفضاء من مكان ما قد يكون قريبا أو متوسطا أو بعيدا.

ومن وظائف السارد في الرواية السرد والحكي، وهذه هي الوظيفة الأساسية للسارد، ووظيفة التنسيق بين الشخصيات، ووظيفة الوصف من خلال تشخيص الشخصيات ووصف الأمكنة والأشياء ، ووظيفة النقد التي تتجلى في نقد الواقع وتشخيص عيوبه ومساوئه الكثيرة ولاسيما تفاوته الاجتماعي والطبقي الذي ينم عن انعدام العدالة الاجتماعية في المجتمع المصري إبان الثورة الاشتراكية. وهناك الوظيفة الإيديولوجية التي تكمن في نقد التيار الاشتراكي والتجربة الناصرية التي ترتبت عنها خيانة المبادئ الاشتراكية الكبرى والتعريض بالذين خانوا الثورة باسم العدالة الاجتماعية والثورة على الملاكين الكبار ومحاربة الطبقية.

وثمة وظائف أخرى يقوم بها السارد يمكن حصرها في وظيفة التقويم والتعليق، ووظيفة الانفعال، ووظيفة التأثير، ووظيفة تصوير المرجع الواقعي.

الزمن السردي:

يلاحظ أن الزمن السردي في الرواية زمن صاعد خطي ينطلق من حاضر الخروج من السجن إلى مستقبل الاستسلام والموت. بيد أن هذا الزمن ينحرف تارة إلى الماضي لاسترجاعه( فلاش باك)، أو إلى المستقبل من أجل استشرافه.

ومن المقاطع السردية الدالة على الاستشراف المستقبلي الذي يحضر غالبا في شكل أحلام مستقبلية:” فلم يستطع جوابا، إلى هذا الحد بلغ منه الإعياء. وأقام الشيخ الصلاة، وما لبث سعيد أن غاب عن الوجود. حلم بأنه يجلد في السجن رغم حسن سلوكه، وصرخ بلا كبرياء وبلا مقاومة في ذات الوقت. وحلم بأنهم عقب الجلد مباشرة سقوه حليبا، ورأى سناء الصغيرة تنهال بالسوط على رؤوف علوان في بئر السلم. وسمع قرآنا يتلى فأيقن أن شخصا قد مات. ورأى نفسه في سيارة مطاردة عاجزة عن الانطلاق السريع لخلل طارئ في محركها واضطر إلى إطلاق النار في الجهات الأربع، ولكن رؤوف علوان برز فجأة من الراديو المركب في السيارة فقبض على معصمه قبل أن يتمكن من قتله وشد عليه بقوة حتى خطف منه المسدس، عند ذاك هتف سعيد مهران: اقتلني إذا شئت ولكن ابنتي بريئة، لم تكن هي التي جلدتك بالسوط في بئر السلم وإنما أمها، أمها نبوية وبإيعاز من عليش سدرة.”

ومن المقاطع الدالة على استرجاع الماضي القائم على التذكر والاستدعاء قصد التلذذ بذكرياته أو الثورة عليه نقمة ورفضا:” وانتظرت عند النخلة الوحيدة في نهاية الحقل حتى قدمت نبوية فوثبت نحوها وقلت لها: لاتخافي، يجب أن أكلمك، أنا ذاهب، سأجد عملا أوفر ربحا، وأنا احبك، لاتنسيني أبدا، أنا أحبك وسأحبك دائما وسوف أثبت لك أني قادر على إسعادك وعلى فتح بيت محترم لك. وفي تلك الأيام كانت الأحزان تنسى والجروح تلتئم والأمل يحصد الصعاب، فيا أيتها القبور الغارقة في الظلمة لا تسخري من ذكرياتي!

ونهض من استلقائه فجلس على الكنبة في الظلام وخاطب رؤوف علوان كأنه يراه أمامه قائلا في سخرية:

لو قبلت أن اعمل محررا في جريدتك يا وغد لنشرت فيها ذكرياتنا المشتركة ولخسفت نورك الكاذب…”

ويظهر لنا أن نجيب محفوظ يستفيد من تقنيات الرواية الجديدة ومن آليات السرد الموجودة عند أعضاء تيار الوعي كاستخدام فلاش باك واستشراف المستقبل وتوظيف الخطاب الحلمي الدال على الغضب والهذيان والتناتوس اللاشعوري الناتج عن الثأر والانتقام.

و يزاوج الكاتب على مستوى الإيقاع بين السرعة والبطء، ويتجلى إيقاع السرعة في الحذف والتلخيص، أما إيقاع البطء فيكمن في الوقفة الوصفية والمشاهد الدرامية.

فمن مظاهر الحذف الزمني خروج سعيد مهران من السجن بعد سنوات عديدة لم يذكر لنا الكاتب أي شيء عنها في الرواية ليترك الكاتب الأحداث تنساب بسرعة تارة، وببطء تارة أخرى، حيث يتوقف عند لوحات وصفية يلتقط فيها صور بعض الشخصيات كسناء وعليش ونبوية والشيخ الجنيدي ونور ورؤوف علوان، لينتقل من ثم، إلى ذكر بعض المشاهد الدرامية كمشهد المطاردة بين المقابر، ومشهد دخول سعيد إلى ڤيلا رؤوف علوان، ومشهد مهاجمة بيت عليش، ومشهد ضرب الشاب الذي كان يختلي بنور، ومشهد توقيف المعلم بياضة لمحاسبته، و المشهد الذي كان يتبادل فيه الحوار مع المعلم طرزان، و المشاهد الروحانية التي كان يستسلم فيها لوازع الدين والحب الرباني.

الصياغة الأسلوبية:

وظف نجيب محفوظ في روايته عدة أساليب سردية لنقل الأحداث والتعبير عن مواقف الشخصيات. ولقد أكثر من السرد ليقترب من الواقع أكثر لمحاكاته وتسجيله وتشخيصه بطريقة تراجيدية. وفي نفس الوقت، يلتجئ إلى الحوار قصد معرفة تصورات الشخصيات وتناقض مواقفها الإيديولوجية. كما التجأ أيضا إلى المنولوج للتعبير عن صراع الشخصيات وتمزقاتها الداخلية ذهنيا ونفسيا. ويحضر أسلوب سردي آخر يسمى بالأسلوب غير المباشر الحر الذي يختلط فيه كلام السارد مع كلام الشخصية وهو كثير بين ثنايا الرواية:” آن للغضب أن ينفجر وأن يحرق، وللخونة أن ييأسوا حتى الموت، وللخيانة أن تكفر عن سحنتها الشائهة. نبوية عليش، كيف انقلب الاسمان اسما واحدا؟ أنتما تعملان لهذا اليوم ألف حساب، وقديما ظننتما أن باب السجن لن ينفتح، ولعلكما تترقبان في حذر، ولن أقع في الفخ، ولكني سأنقض في الوقت المناسب كالقدر. وسناء إذا خطرت في النفس انجاب عنها الحر والغبار والبغضاء والكدر. وسطع الحنان فيها كالنقاء غب المطر. ماذا تعرف الصغيرة عن أبيها؟ لاشيء.”

وعلى الرغم من كل هذه الأساليب، فإن السرد يبقى هو المهيمن على غرار الروايات الواقعية والوجودية، كما استعان الكاتب بالوصف أثناء تقديم الشخصيات والأمكنة والأشياء والوسائل وتحيين المشاهد الدرامية.

وتمتاز لغة نجيب محفوظ بكونها لغة واقعية تصويرية تستند إلى تسجيل المرجع وتمويهه بلغة تتداخل فيها الفصحى والعامية المصرية ليقترب أكثر من خصوبة الواقع العربي المصري. لذالك استعمل الكاتب تعابير العامية المصرية وأساليبها وألفاظها وصيغها المسكوكة. كما استعمل قواميس تدل على حقول دلالية مثل: حقل الأثاث، وحقل الطبيعة، وحقل الدين والتصوف، وحقل الصحافة والإعلام، وحقل السلطة والجريمة، وحقل الوجود و العبث، وحقل القيم، وحقل المجتمع، وحقل السياسة….

وعلى الرغم من استخدام اللغة الطبيعية الواقعية المباشرة التي تنبني على الخاصة التقريرية الجافة الخالية من كل رونق بلاغي وشاعري، إلا أن الكاتب يوظف في بعض الأحيان تعابير قائمة على المشابهة ( التشبيه والاستعارة) ، والمجاورة( المجاز المرسل والكناية)، واستعمال الرموز (اللصوص والكلاب…) لتشخيص الأحداث والمواقف وتجسيدها ذهنيا وإحاليا وجماليا.

ويشغل الكاتب جملا بسيطة ومركبة، وغالبا ماتكون الجمل الروائية جملا فعلية بفواصل قصيرة، تنمي مسار الأحداث وتؤزمها، وقد أورد الكاتب هذه الجمل ليحبك الأحداث ويحقق حركية السرد وتطوره الدرامي و يثري توتره على مسار الحبكة السردية والعقدة القصصية.

ويلاحظ أن نجيب محفوظ قد استفاد من التقنيات الغربية على مستوى الكتابة الروائية ( المنولوج، والأسلوب غير المباشر الحر، وفلاش باك، واستشراف المستقبل…)، وفي هذا الصدد يقول نجيب محفوظ:” كانت كل الأساليب أمامنا في وقت واحد. فعندما نشرع في الكتابة قد نستفيد من أي الطرق التي عرفناها ودخلت في آلية المنسي عندنا بدون وعي. فعندما أكتب قد استفيد من الواقعي التقليدي من الواقعي الحديث، من تيار الوعي….من…من…لأنني قرأت كل هذا في فترة واحدة بمعنى أن التجارب التي عاشتها أوربا في مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة اطلعت عليها أنا في عشر سنوات، وبهذه الطريقة استفدت من أكثر من أسلوب روائي ومن كل في لحظة أي في اللحظة المناسبة.”

ويقول نجيب محفوظ أيضا في هذا السياق:” عندما لم أكن أقع تحت تأثير أحدهم، ولم تبهرني الإنجازات التكنيكية الحديثة. تخيل لو أنني كنت تأثرت به” جويس” وحاولت أن أنهج نهجه في تيار الوعي. لقد قرأت يوليسيز في أواسط الثلاثينيات لكنني عندما بدأت الكتابة كنت أطرح هذا كله وأنهج منهجا واقعيا…”.

ولقد بدأ نجيب محفوظ كتاباته الروائية الأولى معتمدا على السرد والنص والوصف ، وكان يتحاشى المنولوج الداخلي ويتجنبه لمجافاته للرؤية التي يقدمها. ومن ثم، اعتمد محفوظ على لغة تشخيصية حديثة تزاوج بين الفصحى والعامية المصرية، وبذلك تخلصت لغته من البيان التراثي والأسال
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
اللص و الكلاب لنجيب محفوظ
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
2bl4 :: المواد الدراسية :: اللغة العربية-
انتقل الى: